عثمان بن جني ( ابن جني )

374

الخصائص

بأحد حرفى العلّة ، فإذا قلب واحد منهما إليه فكأنه مقرّ على بابه ؛ ألا ترى أن الألف لا تكون أصلا في الأسماء ولا في الأفعال ، وإنما هي مؤذنة بما هي بدل منه ، وكأنها هي هو ؛ وليست كذلك الواو والياء ؛ لأن كل واحدة منهما قد تكون أصلا كما تكون بدلا . فإذا أخرجت الواو إلى الياء اعتدّ ذلك ؛ لأنك أخرجتها إلى صورة تكون الأصول عليها ، والألف لا تكون أصلا أبدا فيهما ، فكأنها هي ما قلبت عنه البتّة ؛ فاعرف ذلك ، فإن أحدا من أصحابنا لم يذكره . ومما يدلّك على صحّة الحال في ذلك أنهم قالوا : غزا يغزو ، ورمى يرمى ، فأعلّوا الماضي بالقلب ، ولم يقلبوا المضارع ، لمّا كان اعتلال لام الماضي إنما هو بقلبها ألفا ، والألف لدلالتها على ما قلبت عنه كأنها هي هو ، فكأن لا قلب هناك : فاعرف ذلك . ويدلّك على استنكارهم أن يقولوا : سليت تسلو ؛ لئلا يقلبوا في الماضي ولا يقلبوا في المضارع أنهم قد جاءوا في الصحيح بذلك لمّا لم يكن فيه من قلب الحرف في الماضي ، وترك قلبه في المضارع ما جفا عليهم ؛ وهو قولهم : نعم ينعم ، وفضل يفضل . وقالوا في المعتلّ : مت تموت ، ودمت تدوم ؛ وحكى في الصحيح أيضا حضر القاضي يحضره . فنعم في الأصل ماضي ينعم ، وينعم في الأصل مضارع نعم ، ثم تداخلت اللغتان ، فاستضاف من يقول نعم لغة من يقول ينعم ، فحدثت هناك لغة ثالثة . فإن قلت : فكان يجب على هذا أن يستضيف من يقول : نعم مضارع من يقول نعم ، فتركّب من هذا أيضا لغة ثالثة ؛ وهي نعم ينعم . قيل : منع من هذا أن فعل لا يختلف مضارعه أبدا ، وليس كذلك نعم ؛ لأن نعم قد يأتي فيه ينعم وينعم جميعا ، فاحتمل خلاف مضارعه ، وفعل لا يحتمل مضارعه الخلاف ؛ ألا تراك كيف تحذف فاء وعد في يعد ؛ لوقوعها بين ياء وكسرة ، وأنت مع ذلك تصحّح نحو وضؤ ووطؤ ، إذا قلت : يوضؤ ويوطئ ، وإن وقعت الواو بين ياء وضمة ، ومعلوم أن الضمّة أثقل من الكسرة ، لكنه لمّا كان مضارع فعل لا يجيء مختلفا لم يحذفوا فاء وضؤ ، ولا وطؤ ، ولا وضع ؛ لئلا يختلف باب ليس من عادته أن يجيء مختلفا .